أحمد بن سهل البلخي

322

مصالح الأبدان والأنفس

البلخي يعتمد في كتابه المنهج الاستدلاليّ الذي ساد في مؤلّفات الطب العربي ، وذلك بإسقاطه كليّات نظرية الأخلاط على الحالات الجزئية المتعلّقة بحفظ الصحة ، وفهم هذه الحالات ومناقشتها من خلال تلك النظرية . وإضافة إلى ذلك فقد اعتمد البلخي منهج السببية ، ومنهج الخبرة العملية ومنهج الاختبار ، والمنهج التعليمي . كما تظهر فلسفة البلخي في الكتاب من خلال اعتماده المنهج القائم على استلهام الحكمة ، وقد تجلّى هذا في عدم وقوفه على الظواهر الكونية وحسب ، وإنما تجاوزها إلى قراءة الحكمة الكامنة وراء ستورها . ويندرج تحت هذا المنهج ما اتضح من نظرة البلخي إلى الوحدة العضوية بين الإنسان والكون ؛ فقد كان يعمّم السنن الكونية على كل المخلوقات . تميزت المقالة الأولى من كتاب البلخي ، وهي « حفظ صحة الأبدان » بالأسلوب التعليمي الذي اتسم بالإيجاز والوضوح ، والاقتصار على الأسس العامة لعلم حفظ الصحة ، ولعل أبرز موضوعات المقالة الأولى حديث البلخي عن حفظ صحة البيئة من خلال حفظ صحة المسكن ، والماء ، والهواء ، وتحديد معايير الجودة في كل من هذه العناصر البيئية ، ثم الإفادة من ذلك في مجال التطبيق ، واقتراح الحلول من أجل تأمين شروط بيئية صحية أفضل . وعلى الرغم من صحة القواعد الصحية التي ذكرها البلخي في نحو 90 % من الأحيان ، واستنادها إلى الواقع والخبرة العملية ، فإن التفسيرات التي أتى بها ليدعم صحة ما ذهب إليه كانت تستند إلى نظرية الأخلاط ؛ فجاءت غير مقبولة في نظر الطب المعاصر . إن ما كتبه البلخي حول أسباب الهجرة بشكل عام ، والأسباب الصحية بشكل خاص ، يعد أساسا لما نسميه اليوم بالجغرافية البشرية المتعلقة بصحة البيئة . ولعل ما أصّله من مبادئ تصميمية معمارية متمثلة بمبدأ الاحتيال ، ومبدأ الانتقال ، ومبدأ التداخل له أهمية كبيرة في تحسين الظروف البيئية في السكن الصحراوي .